اعرف نفسك وطور ذاتك على الفيسبوك

حلقة الأسبوع

حلقة الاسبوع

ابدأ بنفسك 2011



Error
  • عطب عند تحميل بيانات التغذية الإخبارية

سيف الدين قطز .. قاهر التتار

          "وا إسلاماه" شعار أطلقه "قطز" فعُرِف به، وصار علمًا على كل من ينصر دين الله عز وجل ويرفع كلمته، وصار شعارًا لابد أن يرفعه كل من يحاول أن يعود بهذه الأمة مرة أخرى إلى قيادة البشرية.

  المولد والنشأة:

            ولد قطز أميرًا مسلمًا في ظل الدولة الخوارزمية فهو محمود بن ممدود ابن أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، الذي تم اختطافه عقب انهيار الدولة الخوارزمية عام 1231م على يد المغول، وحمل هو وغيره من الأطفال إلى دمشق وتم بيعهم في سوق الرقيق وأطلق عليه اسم "قطز".

            وكان من أول من بيع لهم ابن الزعيم، وعن ذلك يحكي شمس الدين الجزري في تاريخه عن أبيه قال: (كان قطز في رق ابن الزعيم بدمشق في القصاعين، فضربه أستاذه فبكى ولم يأكل يومه شيئًا، ثم ركب أستاذه للخدمة وأمر الفراش يترضاه ويطعمه.

  قال: فحدثني الحاج علي الفراش، قال: فجئته، فقلت: ما هذا البكاء من لطشة؟ فقال: إنما بكائي من لعنته أبي وأمي وجدي وهم خير منه، قلت: من أبوك، واحد كافر، قال: لا والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، إنما أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك، فسكت وترضيته) [تاريخ الإسلام، الذهبي، (11/279-280)].

            وظل قطز عبدًا يباع ويشترى إلى أن انتهى به المطاف في قصر الملك الصالح أيوب، وقد كان قصر ذلك الملك ومن تبعه من الأمراء مدرسة لصناعة الرجال، ويصف الدكتور راغب السرجاني تلك المدرسة بقوله: (كان الملك الصالح أيوب ـ ومن تبعه من الأمراء ـ لا يتعاملون مع المماليك كرقيق، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد كانوا يقربونهم جدًا منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم.

            ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رباطة السيد والعبد أبدًا، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته، وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو العسف، حتى أنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب "الأستاذ" وليس لقب السيد) [قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، د.راغب السرجاني، ص(181)].

            وهناك تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم ومبادئ الفقه الإسلامي، وعندما وصل إلى مرحلة الشباب تدرب على الفروسية والمهارات القتالية واستخدام السيف والرمح وغيرها من فنون الحرب.

            وأمام تلك النفس الأبية، ونظرًا لمهارته ارتقى قطز سريعًا حتى صار قائدًا لجند عز الدين أيبك، ثم قائدًا للجيوش عقب تربع عز الدين أيبك على عرش السلطنة مع زوجته شجرة الدر.

  وصايته على العرش:

            قام الملك عز الدين أيبك بتعيين قطز وصيًّا على العرش، وبعد أن قتل الملك المعز عز الدين أيبك، وقتلت من بعده زوجته شجرة الدر، تولى الحكم السلطان الطفل المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك، وتولى سيف الدين قطز الوصاية على السلطان الصغير الذي كان يبلغ من العمر 15سنة فقط.

            وأحدث صعود الطفل نور الدين إلى كرسي الحكم اضطرابات كثيرة في مصر والعالم الإسلامي، حيث استنجدت بعض الفئات المتنازعة بملوك بني أيوب في بلاد الشام، وحاول المغيث عمر صاحب إمارة الكرك ـ في الأردن حاليًا ـ غزو مصر مرتين، لكن الفشل كان من نصيبه.

            وكانت أكثر الاضطرابات تأتي من قبل بعض المماليك البحرية الذين مكثوا في مصر، ولم يهربوا إلى الشام مع من هرب منها أيام الملك المعز عز الدين أيبك، وتزعم أحد هؤلاء المماليك البحرية واسمه سنجر الحلبي الثورة، وكان يرغب في الحكم لنفسه بعد مقتل عز الدين أيبك، فاضطر قطز إلى القبض عليه وحبسه.

            كذلك قبض قطز على بعض رءوس الثورات المختلفة، فأسرع بقية المماليك البحرية إلى الهرب نحو الشام؛ وذلك ليلحقوا بزعمائهم الذين فروا قبل ذلك إلى هناك أيام الملك المعزِّ، ولما وصل المماليك البحرية إلى الشام شجعوا الأمراء الأيوبيين على غزو مصر، واستجاب لهم بالفعل بعض هؤلاء الأمراء، ومنهم مغيث الدين عمر أمير الكرك الذي تقدم بجيشه لغزو مصر.

            وصل مغيث الدين بالفعل بجيشه إلى مصر، وخرج له قطز فصدَّه عن دخول مصر، وذلك في ذي القعدة من سنة 655هـ، ثم عاد مغيث الدين تراوده الأحلام لغزو مصر من جديد، ولكن صدَّه قطز مرة أخرى في ربيع الآخر سنة 656هـ.

            ولكن ما لبثت الشائعات في الانتشار، حيث (كثرت الأراجيف بين الناس بأن الأمراء والأجناد اتفقوا على إزالة حكم مماليك الملك المعز من الدولة، وأن الملك المنصور تغير على الأمير سيف الدين قطز المعزي، واجتمع الأمراء في بيت الأمير بهاء الدين بغدي الأشرفي مقدم الحلقة، وتكلموا إلى أن صلح الأمر بين الملك المنصور وبين مملوك أبيه الأمير قطز، وخلع عليه وطيب قلبه، ثم وقع الكلام أيضًا من المعزية وغيرهم) [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري، (2/257)].

            ولكن الواقع على الأرض كان يشير إلى أن قطز هو الذي يدير الأمور فعليًّا في مصر، ولكن الذي كان يجلس على كرسي الحكم سلطان طفل، فرأى قطز أن هذا يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلًا.

            هنا اتخذ قطز القرار الجريء، وهو عزل السلطان الطفل نور الدين علي, واعتلاء قطز بنفسه عرش مصر، حدث هذا الأمر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657هـ، أي قبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام، ومنذ أن صعد قطز إلى كرسي الحكم وهو يَعُدُّ العدَّة للقاء التتار، ويعبر الإمام الذهبي عن تلك الحالة التي رافقت صعود قطز إلى كرسي الحكم فيقول:

            (ثمَّ لم يبلعْ ريقَه، ولا تهنَّى بالسَّلطنة حتَّى امتلأت الشَّامات المباركة بالتتار، فتجهَّز للجهاد، وشرع في أهبة الغزو، والتفَّ عليه عسكر الشَّام وبايعوه، فسار بالجيوش في أوائل رمضان لقصد الشَّام، ونصر الإسلام) [تاريخ الإسلام، الذهبي، (11/280)].

  توليه الحكم:

            عندما تولى قطز الحكم كان الوضع السياسي الداخلي متأزمًا للغاية, فقد جلس على كرسي الحكم في مصر خلال عشرة أعوام تقريبًا ستة حكام وهم: الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولده توران شاه، وشجرة الدر، والملك المعز عز الدين أيبك، والسلطان نور الدين علي بن أيبك، ومن ثم سيف الدين قطز، كما كان هناك الكثير من المماليك الطامعين في الحكم, ويقومون بالتنازع عليه.

            وفي نفس الوقت كانت هناك أزمة اقتصادية طاحنة تمر بالبلاد من جراء الحملات الصليبية المتكررة من جهة، والحروب التي دارت بين مصر وجيرانها من الشام من جهة أخرى، ومن الفتن والصراعات على المستوى الداخلي من جهة ثالثة، فعمل قطز على إصلاح الوضع في مصر خلال إعداده للقاء التتار.

            وهذا ما حكاه المقريزي فقال: (ثم ولي ـ أي قطز ـ الوزارة زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن يزيد بن الزبير، وصرف تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، فبلغ ذلك الأمراء فقدموا إلى قلعة الجبل، وأنكروا ما كان من قبض قطز على الملك المنصور، وتوثبه على الملك، فخافهم واعتذر إليهم بحركة التتار إلى جهة الشام ومصر، والتخوف مع هذا من الملك الناصر صاحب دمشق، وقال: وإني ما قصدت إلا أن نجتمع على قتال التتر، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو فالأمر لكم، أقيموا في السلطنة من شئتم، فتفرقوا عنه) [السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، (1/138)].

  بشائر النصر:

  كان من نتائج سقوط بلاد الشام في أيدي المغول وحلفائهم أن عمَّ الرعب والخوف سائر أرجائها، فهرب الناس باتجاه الأراضي المصرية، وقد انغرس داخل نفوسهم نتيجة ما شاهدوه من الأهوال، وبسبب ما حل بهم وببلادهم من الدمار والخراب والهلاك وأن الشيء الذي سينقذ المسلمين وممتلكاتهم من الزحف المغولي المدمر هو البحث عن قيادة حكيمة قوية تترجم نواياهم تلك بإنهاء خلافاتهم وتوحيد كلمتهم، وإعادة تنظيم جموعهم ومن ثم بعث روح الجهاد الإسلامي في نفوسهم لدرء ذلك العدوان الذي استشرى خطره، وبات يهدد ما تبقى من العالم الإسلامي بالدمار والهلاك، والواقع أن مصر في ذلك الوقت كان كل شيء فيها ينبيء بظهور قوة جديدة.

            وسار القائد المظفر قطز في سبيل النصر على التتار، وخطا في ذلك خطوات مباركة، وأعد لذلك عدته، ويمكننا إيجاز تلك المجهودات في خطوات من أهمها ما يلي:

  1.    العفو العام:

            أصدر السلطان قطز قرارًا بالعفو العام "الفعلي" عن كل المماليك البحرية، واستطاع قطز أن يقنع خصومه من أمراء المماليك البحرية الذين كانوا قد هربوا إلى بلاد الشام، وعلى رأسهم بيبرس البندقداري بالعودة إلى الأراضي المصرية والانضواء تحت لوائه، متناسين ما بينهم من الخلافات، بعد أن ثبت لهم عجز أمراء الشام من البيت الأيوبي عن مقاومة المغول.

            لذلك لما قدم بيبرس إلى مصر بعد استقدام قطز له، عظم قطز من شأنه جدًا، وأنزله دار الوزارة وعرف له قدره وقيمته وأقطعه "قليوب" وما حولها من القرى، وعامله كأمير من الأمراء المقدمين وجعله على مقدمة جيوشه فيما بعد.

  2.    توحيد مصر والشام:

            حرص على التواصل مع الدولة الأيوبية، فقد كانت العلاقة بين المماليك والأيوبية متوترة إلى حد كبير، بل أن الناصر يوسف الأيوبي أمير دمشق وحلب كان قد طلب من التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه في غزو مصر، إلا أن سيف الدين قطز سعى لإذابة الخلافات بينه وبين أمراء الشام، وكان يسعى إلى الوحدة مع الشام أو على الأقل تحييد أمراء الشام؛ ليخلوا بينهم وبين التتار دون أن يطعنوه في ظهره.

            ومن أجل ذلك تواصل سيف الدين قطز مع الملك الناصر الأيوبي، وعرض عليه أن يكون تابعًا للناصر، ثم أن قطز علم أن الناصر يوسف قد يتشكك في أمر الوحدة الكاملة أو في أمر القدوم إلى مصر، فعرض عليه بإمداده بالمساعدة لحرب التتار، فتحققت المصلحة المشتركة في هزيمة التتار.

            حتى أن قطز بعث بكتاب يطمئن به قلب الناصر صاحب دمشق، قال فيه: (وإن اخترتني خدمتك، وإن اخترت قدمت ومن معي من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري، سيرت إليك العساكر صحبة من تختاره) [السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، (1/138)].

  3.    تأمين جبهة الصليبيين:

            أراد الملك سيف الدين قطز قبل الشروع في مواجهة المغول أن يختبر الصليبيين على ساحل بلاد الشام، لمعرفة موقفهم من ذلك الصراع الذي أصبح محاذيًا لهم، لتخوفه من انضمام هؤلاء الصليبيين إلى المغول عند نشوب الحرب، وبناءً عليه توجهت سفارة مصرية إلى عكا تطلب من الصليبين السماح للجيوش الإسلامية باجتياز بلادهم وشراء ما تحتاجه من المؤن.

            والواقع أن الصليبيين لم يخفوا مرارتهم وكراهيتهم وحقدهم للمغول بعد أن قام المغول بمهاجمة مدينة صيدا ونهبها، كما أنه لم تتوافر عندهم الثقة فيهم لما ارتكبوه من المذابح الجماعية، على حين أن الصليبيين اتصلوا بالحضارة الإسلامية وألفوها.

            بل ونتيجة لذلك أبدوا أول الأمر استعدادهم لبذل المساعدة العسكرية للسلطان قطز إلا أن السلطان سيف الدين شكرهم حينما عرضوا عليه أن يسيروا معه نجدة واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه.

  رد قطز على رسالة هولاكو:

            وفي تلك الأثناء كان هولاكو يعد جيشه لمهاجمة ما تبقى من بلاد الإسلام، فبعث رسله إلى قطز برسالة تحذير وتهديد كلها غطرسة وكبرياء وتجبر، أورد المقريزي نصها، وفيها:

            (من ملك الملوك شرقًا وغربًا، القان الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء يعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم، يتنعمون بإنعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز، وسائر أمراء دولته وأهل مملكته، بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أنَّا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه.

            فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكى، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم البلاد، فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب، فأي أرض تأويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال.

            فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعائكم علينا لا يسمع فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عند الكلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان، فأبشروا بالمذلة والهوان، {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}، فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم.

            فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم، فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذَّر من أنذر، وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير الأهنة لملوككم عندنا سبيل. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمى نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاهًا ولا عزًا، ولا كافيًا ولا حرزًا، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفنا إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم، والسلام علينا وعليكم، وعلى من أطاع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الأعلى) [السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، (1/142)].

            وكان رد قطز واضحًا جليًّا، حيث (أحضر قطز رسل التتر، وكانوا أربعة، فوسط واحدًا بسوق الخيل تحت قلعة الجبل، ووسط آخر بظاهر باب زويلة، ووسط الثالث ظاهر باب النصر، ورسط الرابع بالريدانية، وعلقت رءوسهم على باب زويلة، وهذه الرءوس أول رءوس علقت على باب زويلة من التتار، وأبقى الملك المظفر على صبي من الرسل، وجعله من جملة مماليكه) [السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، (1/142)].

  اليوم الفصل:

            سار السلطان قطز بجيوشه بعد أن هيأها للجهاد، وبذل الأرواح في سبيل نصرة الله؛ فوصل غزة، ثم اتخذ طريق الساحل متجهًا نحو بحيرة طبرية، والتقى بالمغول، وكانوا تحت قيادة "كتبغا" في معركة فاصلة في صباح يوم الجمعة الموافق (25 رمضان 658هـ = 3 من سبتمبر 1260) عند عين جالوت من أرض فلسطين بين بيسان ونابلس، وانتصر المسلمون انتصارًا هائلًا بعد أن تردد النصر بين الفريقين.

            وينقل ابن تغري عن شجاعة قطز في ذلك الموضع فيقول: (... فعندما اصطدم العسكران اضطرب جناح عسكر السلطان وانتفض طرف منه، فألقى الملك المظفر عند ذلك خوذته على رأسه إلى الأرض، وصرخ بأعلى صوته: وا إسلاماه) [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري، (1/143)]، وكان لهذه الصيحة فعل السحر؛ فثبتت القلوب وصبر الرجال، حتى جاء النصر وزهق الباطل.

            وأعاد هذا الظفر الثقة في نفوس المسلمين بعدما ضاعت تحت سنابك الخيل، وظن الناس أن المغول قوم لا يُقهرون، وكانت نقطة تحول في الصراع المغولي الإسلامي، فلأول مرة منذ وقت طويل يلقى المغول هزيمة ساحقة أوقفت زحفهم، وأنقذت العالم الإسلامي والحضارة الإنسانية من خطر محقق.

            وكان من شأن هذا النصر أن فَرَّ المغول من دمشق وبقية بلاد الشام إلى ما وراء نهر الفرات، ودخل السلطان قطز دمشق في آخر شهر رمضان وأقام بقلعتها، وفي غضون أسابيع قليلة تمكن من السيطرة على سائر بلاد الشام، وأقيمت له الخطبة في مساجد المدن الكبرى حتى حلب ومدن الفرات في أعالي بلاد الشام، وتمكن من إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد، وبعد أن اطمأن إلى ما فعل قرر العودة إلى مصر في (26 من شوال 658هـ = 4 من أكتوبر 1260م).

  وفاته:

        وبعد حياة عظيمة نصر فيها قطزُ الإسلامَ وأعلى كلمة الله، وبينما هو راجع إلى مصر، وثب عليه بعض الأمراء، فقُتل في السادس عشر من ذي القعدة سنة 658هـ، ولم يكمل سنة في السلطنة رحمه الله، ويكفي في إجمال عظيم خلاله ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمته حين قال عنه:

            (السلطان الشهيد الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي، كان أنبل مماليك المعز، ثم صار نائب السلطنة لولده المنصور، وكان فارسًا شجاعًا، سائسًا، ديِّنًا، محببًا إلى الرعية، هزم التتار، وطهَّر الشام منهم يوم عين جالوت) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (23/200)].

 

السيرة الذاتية

حكمة الاسبوع

مقال

رأيك يهمنا

ما رأيك فى مقولة "أن وراء كل رجل عظيم إمراة"؟
 
اجمالى المشاهدة: 1153

من المنتدى